ثقافة الاحتراب والعدو المشترك

 

تعتبر الثقافة مكونا اساسيا من مكونات المجتمع ، اذ تنعكس تلك الثقافة على سلوكيات الافراد وتصرفاتهم  ، ولا شك ان عددا كبيرا من العوامل البيئة والاجتماعية والقيمية والسياسية والاقتصادية والدينية يلعب دورا اساسيا في تشكيل وتكوين الثقافة في اي مجتمع كان ، ولكن ما يتميز به المجتمع العربي هو نوع من السيادة والسيطرة لثقافة الاحتراب ، ومفهوم الاحتراب مشتق من الحرب ، ولكن الحرب قد تكون لفترة معينة تتوقف وتندلع لتحقيق مكاسب محددة و واضحة ، ولكن الاحتراب يلازمة الاستمرار بحيث يصبح جزء من الثقافة اليومية للجمتع وهذا ما هو سائد في مجتمعنا العربي بشكل عام ومجتمعنا الفلسطيني بشكل خاص.

 

والاحتراب ليس المقصود به الحرب المادية او العسكرية ، بل هو حرب من نوع اخر الحرب الكلامية بالكلمة وبالجملة وبالشعار والاتهام والتوبيخ والتخوين والمقال والتصريحات والمناكفات عبر الصحف والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي ، وهذه الثقافة تحشد كل طاقاتها ومدخراتها لخدمة هدف معين وهو الاساءة الى الطرف الاخر ، وهذا الاخر هو شريك الهم والمصير وهو الاخ والشقيق ورفيق الدرب وابن المجتمع والذي يحمل نفس الهوية ونفس الثقافة ، ومن هنا فان ثقافة الاحتراب هي ثقافة الافناء ورفض الاخر لمجرد الاختلاف معه في ابسط الامور .

 

يتحارب الاخوة داخل المجتمع ويتناسو الهم الوطني الاكبر ، ويصبح الواحد منهم عدوا للاخر ، ويتناسىو العدو المشترك ، لان هناك عدو يستطيع ان ينعم بحالة من الاستقرار اثناء الاحتراب بين الاشقاء الذي هم بالنسبة له العدو ، بهذا يقدم هؤلاء الاشقاء هدية مجانية لهذا العدو، ولن اطيل في الحديث في العموميات في هذا الموضع ، ولكني سوف اسمي الامور بمسمياتها الحقيقية لتكون واضحة المعالم للجميع.

 

سوف نتناول في هذا المقال حالتين من المجتمع الفلسطيني  لتحليل ثقافة الاحتراب السائدة فيه ومن هنا نعلم جميعا حالة الانقسام التي يعاني منها شعبنا الفلسطيني والتي تعتبر نكبة جديدة اضيفت الى سجل نكبات شعبنا الفلسطيني ، واذا نظرنا الى مدينة غزة وما يصدر منها ومن من يمسك بزمام الامور فيها فان ثقافة الاحتراب تتجلى في هذه الحالة في اسمى صورها ، فنرى يوميا تصريحات وخطابات وكتابات وشعارات واتهامات من قبل من يمتلكون السلطة  في غزة تهاجم وتنتقد وتسيىء الى القيادة الفلسطينية  والى النضال الوطني والى الثقافة الوطنية  والى منظمة التحرير الفلسطينية ، واصبح العدو لحكام غزة هي منظمة التحرير وقيادتها ، وليست اسرائيل ، واذا نظرنا الى شريط الاخبار على الفضائيات التابعة لحكومة غزة فاننا نرى ان الاخبار والتصريحات والاتهامات التي تهاجم القيادة الفلسطينية هي اكثر مما تهاجم اسرائيل وحكومتها المتطرفة ، ولكن في واقع الامر العدو المشترك للشعب الفلسطيني هو اسرائيل ، ولكن هذا العدو يعيش حالة من الاستقرار والاسترخاء لان هناك ثقافة من الاحتراب قائمة وتستمر المسيرة هذه بتكريس الانقسام بين شطري الوطن ، وهذا عائد الى التربية العمياء التي ترفض الاخر وتكفر الاخر وتجعل من اصحابها بانهم اولياء الله على الارض .

 

 

 

والحالة الاخرى في مجتمعنا الفلسطيني والتي اضحت حديث الشارع ليل نهار هي حالة ناصرة العروبة ، فقد كانت الانتخابات الاخيرة في هذه المدينة العربية الصامدة والمعروفة بنضالاتها العظيمة وابنائها الشرفاء الاوفياء لوطنهم وبلدهم وقضيتهم وثقافتهم وعروبتهم حادثا مفصليا في تاريخ هذه المدينة ، ولن ادخل  في تفاصيل نتائج الانتخابات وحالات الفرز واعلان النتائج من الفائز اولا وقرارات المحاكم ، ولكني سوف اتحدث عن الواقع الذي يعيشه المواطن العربي في هذه المدينة ، فاصبحنا نرى الاحتراب بالكلمة والتصريح والشعار والمقال حتى التهديد بالقتل بين الاخووة الاشقاء ، واصبحت تظهر علينا بعض الظواهر الدخيلة على مجتمعنا العربي والمجتمع وهي ظاهرة الطائفية  و مسلم ومسيحي في الناصرة ، وقائمة الجبهة وقائمة ناصرتي وشد وجذب وتحديات جسام ، واصبح الهم الاول في المدينة من يتسلم رئاسة البلدية على سلام ام رامز جرايسي ؟؟؟ وتناسينا جميعا معاناة المواطن اليومية ، وتناسينا جميعا الخطر الذي يحدق بنا جميعا من الاحتلال ، وتناسينا التهميش من قبل الحكومة ، وتناسينا جميعا التفرقة والتمييز العنصري الذي تمارسه الحكومة بحقنا جميعا ؟؟؟ الانتخابات هي خيار ديمقراطي يحتكم اليه الشعب ، ولكن  لا مرحبا بغد ولا اهلا به  اذا كان فراق الاحبة في غد ، فالعدو المشترك ينظر الينا من بعيد ويراقب وهو سعيد بهذ الاجواء المشحونة التي تهدد النسيج الاجتماعي في المدينة عروس الجليل ناصرة العروبة .

 

وهنا سنعرج قيلا على المجتمع الاسرائيلي ونسال عن هذه الثقافة وعن وجودها ، فهي موجودة ايضا ولكنها لا تظهر ابدا !!!! فلماذا وما هو السبب ؟؟ السبب ببساطة هناك عدو مشترك هو العربي الفلسطيني ،  فالمجتمع الاسرائيلي هو خليط من مكونات مختلفة و ثقافة الاحتراب تحتدم بين المتدينين والعلمانيين والذين لا يلتقون اطلاقا بل هم على خلاف دائم ، لكن لا نر لاي احتراب بين هؤلاء ، لان هناك عدو مشترك لديهم وهو الاولى بالمحاربة وهو العربي الفلسطيني .