ثقافة التهرب الضريبي

 

ان الثقافة السائدة في اي مجتمع كان لم  تكن وليدة اللحظة التاريخية الخاصة بها في زمن محدد ، بل ان الثقافة تاتي من تراكمات عبر التاريخ لتتشكل وتتبلور وتصبح واقعا عمليا في حياة الافراد والمجتمعات في اي بلد كان ، وتلعب الظروف المحيطة باي مجتمع دور اساسي في تشكيل الثقافة السائدة اضافة الى طول الفترة الزمنية التي تشكلت فيها تلك الثقافة وقوة العوامل المؤثرة في المجتمع من عوامل اقتصادية وسياسية وتاريخية ودينية وبيئية تتضافر معا تلك العوامل لتؤثر في المجتمعات لتشكيل ثقافة ما.

 

لقد كان للاحتلال التركي لفلسطين والذي استمر لحوالي اربعة قروب دور كبير على الثقافة السائدة في المجتمع الفلسطيني وخاصة ثقافة التهرب الضريبي ، اذ كان اهل فلسطيني ينظرون الى جابي الضرائب خلال الحكم التركي على انه العدو الاول لهم ، وذلك نظرا للضرائب الباهضة التي كان يفرضها الاحتلال التركي على المزارعين الفلسطينيين في تلك الفترة ، ونظرا لطول فترة الاحتلال التركي لفلسطين فقد ترسخت ثقافة العداء بين السكان المحليين وجابي الضرائب والذي يمثل السلطان العثماني ، وكان الاحتلال التركي يفرض ضرائب باهضة وكبيرة على السكان  وفق استراتيجية الافقار والتجهيل للسكان المحليين ، ومع مرور الايام ترسخت لدى المجتمع الفلسطيني كغيره من المجتمعات ثقافة المقاومة وعدم الاستجابة لما يعرف بالضرائب .

 

وعندما احتلت فلسطين من قبل الانجليز استمر هذا التوجه لان هناك ثقافة سائدة في المجتمع تعارض وتمانع ذلك لان هذا احتلال ، وعندما جاء الاحتلال الاسرئيلي لفلسطين سواء في العام 1948م او في العام 1967م اصبح عدم دفع الضرائب هو واجب وطني في مقاومة هذا الاحتلال والتصدي له وعدم التعامل معه ، وترسخت لدى المجتمع الفلسطيني ثقافة وطنية في مقاطعة الاحتلال وعدم دفع الضرائب له وهذا اصبح واجبا وطنيا ونوع من المقاومة والكفاح ضد الاحتلال الاسرائيلي .

 

ولكن اليوم بعد هذا التوجه التاريخي المقاوم للاحتلال والرافض لدفع الضرائب له ، اصبح لدينا واقعا اخر ، اصبح لدينا مؤسسات وطنية فلسطينية ، اصبح لدينا دولة فلسطينية عضو مراقب في هيئة الامم واعترف بها اكثر من 138 دولة في الامم المتحدة ، فالدول والمؤسسات يبنيها الشعوب ، والدول يبنيها المواطنون ، والدولة يبنيها الانتماء للوطن ، والمساهمة الفاعلة  في بناء مؤسسات هذا الوطن هو واجب كل مواطن فلسطيني ايا كان ، واصبحت الضريبة تدفع للمواطن الفلسطيني لتلبية احتياجات الناس وحاجاتهم اليومة ، والضريبة تذهب لخزينة دولة فلسطين التي ترعى المواطنين الفلسطينين بمؤسساتها المدنية والعسكرية والامنية التي تسهر على امن المواطن وخدمة الوطن والانسان الفلسطيني ، واموال الضرائب تذهب لقطاعات الصحة والتعليم والنفقات التشغيلية للمؤسسات الفلسطينية ولابناء الشعب الفلسطيني من موظفين ومشاريع انجاز البنية التحيتة اللازمة لتحقيق الاستقرار والعيش الكريم لابناء هذا الوطن .

  

فثقافة التهرب في زمن الاحتلال يجب ان يقابلها ثقافة  التزام في الوقت الحالي ، لانه شتان شتان بين الامس واليوم ، فالمسؤولية الوطنية هي مسؤولية كل مواطن فلسطيني ، وصحيح ان ثقافة التهرب ترسخت في المجتمع الفلسطيني عبر القرون ولكن علينا جميعا ان نتحمل مسؤولياتنا ونعمل على تعزيز ثقافة الالتزام الضريبي في مجتمعنا عبر مؤسساتنا الرسمية والاهلية والخاصة ، وادخال هذا التوجهه لتعزيز ثقافة الالتزام الضريبي في المناهج الدراسية لدى المدارس الفلسطينية الحكومية والخاصة ، فلقد قدم الشهداء من ابناء شعبنا ارواحهم ودمائهم فداءا لهذا الوطن من اجل الحرية والاستقلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، وقضى اسرانا زهرات شبابهم في سجون الاحتلال من اجل هذا الهدف النبيل ، فليس كثيرا علينا نحن كافراد ومؤسسات وشركات ان نقوم بدفع ما يترتب علينا من استحقاق ضريبي من اجل بناء دولتنا ومؤسساتنا الوطنية الفلسطينية .